لم يعد التسويق الرقمي اليوم مجرد عملية استهداف مبنية على العمر، الجنس، أو الموقع الجغرافي. العالم يشهد تحولاً جذرياً في طريقة فهم الجمهور، تقوده ثورة تُعرف باسم الذكاء الاصطناعي العاطفي (Emotion AI).
هذا التحول لا يغير أدوات التسويق فقط، بل يغيّر فلسفة التأثير نفسها: من بيع المنتج، إلى بيع الحالة الشعورية.
في هذا السياق، أصبحت أساليب الدعاية والتسويق التقليدية أقل قدرة على المنافسة أمام نماذج جديدة تعتمد على فهم المشاعر اللحظية للمستخدم، لا خصائصه الثابتة.
ما هو الذكاء الاصطناعي العاطفي؟
يُعرَّف الذكاء الاصطناعي العاطفي عالمياً كأحد فروع الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل وتفسير المشاعر البشرية عبر النصوص، الصوت، تعابير الوجه، وأنماط السلوك.
ووفقاً لتعريف IBM، يهدف هذا النوع من الذكاء الاصطناعي إلى تحسين التفاعل بين الإنسان والآلة من خلال فهم المشاعر لا مجرد البيانات
مصدر.
هذا يعني أن السؤال التسويقي لم يعد: من هو العميل؟
بل أصبح: كيف يشعر العميل الآن؟ ولماذا؟
من التقسيم الديموغرافي إلى الاستهداف السيكوجرافي
في نماذج التسويق القديمة، كان يتم تقسيم الجمهور بناءً على خصائص عامة. أما اليوم، فالذكاء الاصطناعي العاطفي ينقلنا إلى مستوى سيكوجرافي لحظي يعتمد على:
-
سلوك التصفح
-
سرعة التفاعل
-
التردد أو الاستعجال
-
الانجذاب أو النفور
هذا التحول أعاد تعريف مفاهيم التسويق والترويج، وجعل الرسائل الإعلانية أكثر مرونة وتكيفاً مع الحالة النفسية للمستخدم في نفس اللحظة.
Hyper-Personalization: التخصيص المفرط كقاعدة جديدة
أقوى تطبيق عملي للذكاء الاصطناعي العاطفي حالياً هو Hyper-Personalization.
لم يعد التخصيص يعني “منتجات مشابهة لما اشتريت”، بل:
محتوى، رسالة، تصميم، وتوقيت… جميعها تتغير حسب الحالة الشعورية للمستخدم.
منصات مثل Spotify وNetflix وTikTok تبني تجارب قائمة على ما يُعرف بـ حلقة الدوبامين (Dopamine Loop)، وهي آلية نفسية موثقة في دراسات تصميم السلوك الرقمي، تجعل المستخدم في حالة ترقب دائم للمكافأة القادمة
مرجع
هذا النموذج يتجاوز أفضل طرق الدعاية والتسويق التقليدية، لأنه لا يخاطب العقل فقط، بل العاطفة.
للاطلاع على تطور هذه الأساليب، يمكنك الرجوع إلى دليل
أفضل طرق الدعاية والتسويق.
تحليل المشاعر – الجيل الثاني (Sentiment Analysis 2.0)
تحليل المشاعر لم يعد مقتصراً على تقييمات مكتوبة أو تعليقات. اليوم، نحن أمام Sentiment Analysis 2.0، حيث تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي:
-
تحليل نبرة الصوت في مكالمات خدمة العملاء
-
قياس التوتر أو الثقة من سرعة الحديث
-
قراءة تعابير الوجه أثناء اختبار الإعلانات
وفقاً لتقارير McKinsey، الشركات التي تطبق تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحقق مستويات أعلى من التخصيص وتحسين تجربة العميل
(مرجع: https://www.mckinsey.com/capabilities/quantumblack/our-insights/the-next-frontier-of-ai-in-marketing).
ويمكنك دعم هذا الفهم عبر بيانات حقيقية من
إحصائيات التسويق العاطفي.
سيكولوجية الألوان الديناميكية
أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي العاطفي تقدماً هو تخصيص الألوان وعناصر التصميم بناءً على الحالة النفسية للمستخدم.
بعض المتاجر الرقمية أصبحت تغيّر:
-
لون زر الشراء
-
الخلفيات
-
درجات التباين
وذلك وفقاً لسلوك المستخدم؛ فالأحمر يحفز الاستعجال، والأزرق يعزز الثقة، والألوان المحايدة تناسب مرحلة الاستكشاف.
هذا الدمج بين Emotion AI وسيكولوجية الألوان يحوّل التصميم من عنصر جمالي إلى أداة إقناع ذكية، ويمكن التوسع فيه عبر
سيكولوجية الألوان في التسويق.
تأثير زيغارنيك الرقمي
يعتمد الذكاء الاصطناعي العاطفي أيضاً على تأثير زيغارنيك، وهو مفهوم نفسي يوضح لماذا يتذكر العقل المهام غير المكتملة أكثر من المكتملة
مرجع.
تطبيقات اليوم تستخدم هذا التأثير عبر:
-
أشرطة تقدم غير مكتملة
-
إشعارات ذكية
-
رسائل “لم تُنهِ هذه الخطوة”
وهو ما يجعل المستخدم يعود بدافع نفسي داخلي، لا بسبب إعلان مباشر.
البعد الأخلاقي: الوجه الآخر لـ Emotion AI
رغم القوة الكبيرة للذكاء الاصطناعي العاطفي، إلا أنه يثير تساؤلات أخلاقية جوهرية حول الخصوصية والتلاعب العاطفي.
المنتدى الاقتصادي العالمي يناقش هذه القضايا بوضوح، محذراً من استخدام المشاعر كأداة ضغط غير واعية
(مرجع: https://www.weforum.org/stories/2023/01/emotion-ai-ethics/).
الشركات الذكية هي التي توازن بين التأثير والشفافية، لا التي تسعى للنتائج السريعة فقط.
الخلاصة: نهاية الاستهداف التقليدي وبداية تسويق المشاعر
في عصر الذكاء الاصطناعي العاطفي، لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بمعرفة ما يريده العميل، بل بفهم لماذا يشعر بالحاجة الآن.
التسويق لم يعد رسالة ثابتة، بل تجربة نفسية متغيرة.
ومع هذا التحول، تدخل الدعاية والتسويق مرحلة جديدة، يصبح فيها من يفهم المشاعر هو من يقود السوق، لا من يملك أكبر ميزانية إعلانية.
نحن لا نشهد مجرد تطور تقني، بل ثورة حقيقية في فهم الإنسان… ثورة يقودها الذكاء الاصطناعي العاطفي.


